فصل: تفسير الآية رقم (6):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني المشهور بـ «تفسير الألوسي»



.تفسير الآية رقم (5):

{وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (5)}
{وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُواْ مِن دُونِ الله مَن لاَّ يَسْتَجِيبُ لَهُ} إنكار لأن يكون أضل من المشركين، وذكر بعض الفضلاء أن المراد نفي أن يكون أحد يساويهم في الضلالة وإن كان سبك التركيب لنفي الأضل، وقد مر ما يتعلق بذلك فتذكر أي هو أضل من كل ضال حيث ترك دعاء المجيب القادر المستجمع لجميع صفات الكل كما يشعر بذلك الاسم الجليل ودعا من ليس شأنه الاستجابة له وإسعافه طلوبه {إلى يَوْمِ القيامة} أي ما دامت الدنيا، وظاهره أنه بعدها تقع الاستجابة وليس راد لتحقق ما يدل على خلافه، فهذه الغاية على ما في الانتصاف من الغايات المشعرة بأن ما بعدها وإن وافق ما قبلها إلا أنه أزيد منه زيادة بينة تلحقه بالمباين حتى كأن الحالتين وإن كانتا نوعًا واحدًا لتفاوت ما بينهما كالشيء وضده، وذلك أن الحالة الأولى التي جعلت غايتها القيامة لا تزيد على عدم الاستجابة، والحالة الثانية التي في القيامة زادت على عدم الاستجابة بالعداوة وبالكفر بعبادتهم إياهم كما ينطق به ما بعد فهو من وادي قوله تعالى: في سورة [الزخرف: 29] {بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلاَء وَءابَاءهُمْ} الآية، ونحوه قوله سبحانه في إبليس: {إِنْ عَلَيْكَ لَعْنَتِى إلى يَوْمِ الدين} [ص: 78] وقد يقال: المراد بهذه الغاية التأبيد كما قيل في قوله تعالى: {خالدين فِيهَا مَا دَامَتِ السموات} [هود: 107] وقولهم: ما دام ثبير، وقال بعضهم: لا إشكال في الآية لأن الغاية مفهوم فلا تعارض المنطوق، وفيه بحث، ففي الدرر والينبوع عن البديع أن الغاية عندنا من قبيل إشارة النص لا المفهوم.
وقال الزركشي في شرح جمع الجوامع: ذهب القاضي أبو بكر إلى أن الحكم في الغاية منطوق وادعى أن أهل اللغة صرحوا بأن تعليق الحكم بالغاية موضوع على أن ما بعدها خلاف ما قبلها لأنهم اتفقوا على أنها ليست كلامًا مستقلًا فإن قوله تعالى: {حتى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} [البقرة؛ 230] وقوله سبحانه: {حتى يَطْهُرْنَ} [البقرة: 222] لابد فيه من إضمار لضرورة تتميم الكلام؛ وذلك أن المضمر إما ضد ما قبله أولًا والثاني باطل لأنه ليس في الكلام ما يدل عليه فيقدر حتى يطهرن فاقربوهن، حتى تنكح زوجًا غيره فتحل، قال: والمضمر نزلة الملفوظ فإنه إنما يضمر لسبقه إلى ذهن العارف باللسان، وعليه جرى صاحب البديع من الحنفية فقال: هو عندنا من دلالة الإشارة لا من المفهوم، لكن الجمهور على أنه مفهوم ومنعوا وضع اللغة لذلك انتهى، ويعلم من هذا أن قوله في التلويح: إن مفهوم الغاية متفق عليه لا يخلو من الخلل {وَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ} الضمير الأول: لمفعول {يَدْعُواْ} أعني {مَن لاَّ يَسْتَجِيبُ} والثاني: لفاعله، والجمع فيهما باعتبار معنى {مِنْ} كما أن الإفراد فيما سبق باعتبار لفظها أي والذين يدعون من لا يستجيبون لهم عن دعائهم إياهم {غافلون} لا يسمعون ولا يدرون، أما إن كان المدعو جمادًا فظاهر، وأما إن كان من ذوي العقول فإن كان من المقبولين المقربين عند الله تعالى فلاشتغاله عن ذلك بما هو فيه من الخير أو كونه في محل ليس من شأن الذي فيه أن يسمع دعاء الداعي للبعد كعيسى عليه الصلاة والسلام اليوم أو لأن الله تعالى يصون سمعه عن سماع ذلك لأنه لكونه مما لا يرضي الله تعالى يؤلمه لو سمعه، وإن كان من أعداء الله تعالى كشياطين الجن والإنس الذين عبدوا من دون الله تعالى فإن كان ميتًا فلاشتغاله بما هو فيه من الشر، وقيل: لأن الميت ليس من شأنه السماع ولا يتحقق منه سماع إلا معجزة كسماع أهل القليب، وفي هذا كلام تقدم بعضه؛ وإن كان حيًا فإن كان بعيدًا مثلًا فالأمر ظاهر، وإن كان قريبًا سليم الحاسة فقيل: الكلام بالنسبة إليه بعد تأويل الغفلة بعدم السماع وعلى التغليب لندرة هذا الصنف.
ومن الناس من أول الغفلة بعدم الفائدة وتعقب بأنه حينئذٍ لا يكون لوصفهم بالغفلة بعد وصفهم بعدم الاستجابة كثير فائدة، واعتبر بعضهم التغليب من غير تأويل عنى أنه غلب من يتصور منه الغفلة حقيقة على غيره، وهذا كالتغليب في التعبير عن تلك الآلهة بما هو موضوع لأن يستعمل في العقلاء، وإن كانت الآية في عبدة الأصنام ونحوها مما لا يعقل تجوز في الغفلة وكان التعبير بما هو للعاقل لإجراء العبدة إياها مجرى العقلاء.
وقال بعضهم: على جعلها في عبدة الأصنام. إن وصفها بما ذكر من ترك الاستجابة والغفلة مع ظهور حالها للتهكم بها فتدبر ولا تغفل.

.تفسير الآية رقم (6):

{وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ (6)}
{وَإِذَا حُشِرَ الناس} عند قيام القيامة {كَانُواْ} أي المعبودون {لَهُمْ} أي العابدين {أَعْدَاء} شديدي العداوة {وَكَانُواْ} أي المعبودون أيضًا {بِعِبَادَتِهِمْ} أي بعبادة الكفرة إياهم {كافرين} مكذبين، والأمر ظاهر في ذوي العقول. وأما في الأصنام فقد روي أن الله تعالى يخلق لها إدراكًا وينطقها فتتبرأ عن عبادتهم وكذا تكون أعداء لهم، وجوز كون تكذيب الأصنام بلسان الحال لظهور أنهم لا يصلحون للعبادة وأنهم لا نفع لهم كما توهموه أولًا حيث قالوا: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرّبُونَا إِلَى الله} [الزمر: 3] ورجوا الشفاعة منهم. وفسرت العداوة بالضر على أنها مجاز مرسل عنه فمعنى {كَانُواْ لَهُمْ أَعْدَاء} كانوا لهم ضارين، وما ذكرناه في بيان الضمائر هو الظاهر، وقيل: ضمير {هُمْ} المرفوع البارز والمستتر في قوله تعالى: {وَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ غافلون} [الأحقاف: 5] للكفرة الداعين وضمير {دُعَائِهِمْ} لهم أو للمعبودين، والمعنى أن الكفار عن ضلالهم بأنهم يدعون من لا يستجيب لهم غافلون لا يتأملون ما عليهم في ذلك، وفيه من ارتكاب خلاف الظاهر ما فيه، وفي الضمائر بعد نحو ذلك، والمعنى إذا حشر الناس كان الكفار أعداء لآلهتهم الباطلة لما يرون من ترتب العذاب على عبادتهم إياها وكانوا لذلك منكرين أنهم عبدوا غير الله تعالى كما حكى الله تعالى عنهم أنهم يقولون: {والله رَبّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} [الأنعام: 23] وتعقب بأن السياق لبيان حال الآلهة معهم لا عكسه، ولأن كفرهم حينئذٍ إنكار لعبادتهم وتسميته كفرًا خلاف الظاهر.

.تفسير الآية رقم (7):

{وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آَيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (7)}
{وَإِذَا تتلى عَلَيْهِمْ ءاياتنا بَيّنَاتٍ} أي واضحات أو مبينات ما يلزم بيانه {قَالَ الذين كَفَرُواْ لِلْحَقّ} أي الآيات المتلوة، ووضع موضع ضميرها تنصيصًا على حقيتها ووجوب الإيمان بها كما وضع الموصول موضع ضمير المتلو عليهم تسجيلًا عليهم بكمال الكفر والضلالة.
وجوز كون المراد بالحق النبوة أو الإسلام فليس فيه موضوعًا موضع الضمير، والأول: أظهر، واللام متعلقة بقال على أنها لام العلة أي قالوا لأجل الحق وفي شأنه وما يقال في شأن شيء مسوق لأجله، وجوز تعلقه بكفروا على أنه عنى الباء أو حمل الكفر على نقيضه وهو الإيمان فإنه يتعدى باللام نحو {أَنُؤْمِنُ لَكَ} [الشعراء: 111] وهو خلاف الظاهر كما لا يخفى {لَمَّا جَاءهُمْ} أي في وقت مجيئه إياهم، ويفهم منه في العرف المبادرة وتستلزم عدم التأمل والتدبر فكأنه قيل: بادروا أول سماع الحق من غير تأمل إلى أن قالوا: {هذا عَدُوٌّ مُّبِينٌ} أي ظاهر كونه سحرًا، وحكمهم بذلك على الآيات لعجزهم عن الإتيان ثلها، وعلى النبوة لما معها من الخارق للعادة، وعلى الإسلام لتفريقه بين المرء وزوجه وولده.

.تفسير الآية رقم (8):

{أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَلَا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئًا هُوَ أَعْلَمُ بما تُفِيضُونَ فِيهِ كَفَى بِهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (8)}
{أَمْ يَقُولُونَ افتراه} إضراب وانتقال من حكاية شناعتهم السابقة إلى حكاية ما هو أشنع منها وهو الكذب عمدًا على الله تعالى فإن الكذب خصوصًا عليه عز وجل متفق على قبحه حتى ترى كل أحد يشمئز من نسبته إليه بخلاف السحر فإنه وإن قبح فليس بهذه المرتبة حتى تكاد تعد معرفته من الأمور المرغوبة، وما في {أَمْ} المنقطعة من الهمزة معنى للإنكار التوبيخي المتضمن للتعجب من نسبته إلى الافتراء مع قولهم: هو سحر لعجزهم عنه، والضمير المنصوب في {افتراه} كما قال أبو حيان {لِلْحَقّ} [الأحقاف: 7] الذي هو الآيات المتلوة، وقال بعضهم: للقرآن الدال عليه ما تقدم أي بل أيقولون افتراه.
{قُلْ إِنِ افتريته} على الفرض {فَلاَ تَمْلِكُونَ لِى مِنَ الله شَيْئًا} أي عاجلني الله تعالى بعقوبة الافتراء عليه سبحانه فلا تقدرون على كفه عز وجل عن معالجتي ولا تطيقون دفع شيء من عقابه سبحانه عني فكيف أفتريه وأتعرض لعقابه، فجواب {ءانٍ} في الحقيقة محذوف وهو عاجلني وما ذكر مسبب عنه أقيم مقامه أو تجوز به عنه {هُوَ أَعْلَمُ بما تُفِيضُونَ فِيهِ} بالذي تأخذون فيه من القدح في وحي الله تعالى والطعن في آياته وتسميته سحرًا تارة وافتراءً أخرى، واستعمال الإفاضة في الأخذ في الشيء والشروع فيه قولًا كان أو فعلًا مجاز مشهور، وأصلها إسالة الماء يقال: أفاض الماء إذا أساله، وما أشرنا إليه من كون {مَا} موصولة وضمير فيه عائد عليه هو الظاهر وجوز كون {مَا} مصدرية وضمير {فِيهِ} للحق أو للقرآن {كفى بِهِ شَهِيدًا بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ} حيث يشهد لي سبحانه بالصدق والبلاغ وعليكم بالكذب والجحود، وهو وعيد بجزاء إفاضتهم في الطعن في الآيات، واستؤنف لأنه في جواب سؤال مقدر، و{بِهِ} في موضع الفاعل بكفى على أصح الأقوال، و{شَهِيدًا} حال و{بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ} متعلق به أو بكفى {وَهُوَ الغفور الرحيم} وعد بالغفران والرحمة لمن تاب وآمن وإشعار بحلم الله تعالى عليهم إذ لم يعاجلهم سبحانه بالعقوبة وأمهلهم ليتداركوا أمورهم.

.تفسير الآية رقم (9):

{قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ (9)}
{قُلْ مَا كُنتُ بِدْعًا مّنَ الرسل} أي بديعًا منهم يعني لست مبتدعًا لأمر يخالف أمورهم بل جئت بما جاؤا به من الدعوة إلى التوحيد أو فعلت نحو ما فعلوا من إظهار ما آتاني الله تعالى من المعجزات دون الإتيان بالمقترحات كلها، فقد قيل: إنهم كانوا يقترحون عليه عليه الصلاة والسلام آيات عجيبة ويسألونه عن المغيبات عنادًا ومكابرة فأمر صلى الله عليه وسلم أن يقول لهم ذلك، ونظير {بدع} الخف عنى الخفيف والخل عنى الخليل فهو صفة مشبهة أو مصدر مؤول بها، وجوز إبقاؤه على أصله. وقرأ عكرمة. وأبو حيوة. وابن أبي عبلة {كُنتُ بِدْعًا} بفتح الدال، وخرج على أنه جمع بدعة كسدرة وسدر، والكلام بتقدير مضاف أي ذا بدع أو مصدر والاخبار به مبالغة أو بتقدير المضاف أيضًا.
وقال الزمخشري: يجوز أن يكون صفة على فعل كقولهم. دين قيم ولحم زيم أي متفرق، قال في البحر: ولم يثبت سيبويه صفة على هذا الوزن إلا عدي حيث قال: ولا نعلمه جاء صفة إلا في حرف معتل يوصف به الجمع وهو قوم عدي، واستدرك عليه زيم وهو استدراك صحيح، وأما قيم فمقصور من قيام ولولا ذلك لصحت عينه كما صحت في حول وعوض، وأما قول العرب: مكان سوى وماء روى ورجل رضا وماء صرى فمتأولة عند التصريفيين إما بالمصدر أو بالقصر، وعن مجاهد. وأبي حيوة {بِدْعًا} بفتح الباء وكسر الدار وهو صفة كحذر.
{وَمَا أَدْرِى مَا يُفْعَلُ بِى وَلاَ بِكُمْ} أي في الدارين على التفصيل كما قيل.
وأخرج ابن جرير عن الحسن أنه قال في الآية: أما في الآخرة فمعاذ الله تعالى قد علم صلى الله عليه وسلم أنه في الجنة حين أخذ ميثاقه في الرسل ولكن ما أدري ما يفعل بي في الدنيا أأخرج كما أخرجت الأنبياء عليهم السلام من قبلي أم أقتل كما قتلت الأنبياء عليهم السلام من قبلي ولا بكم أأمتي المكذبة أم أمتي المصدقة أم أمتي المرمية بالحجارة من السماء قذفًا أم المخسوف بها خسفًا ثم أوحى إليه {وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بالناس} [الإسراء: 60] يقول سبحانه: أحطت لك بالعرب أن لا يقتلوك فعرف عليه الصلاة والسلام أنه لا يقتل ثم أنزل الله تعالى: {هُوَ الذي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بالهدى وَدِينِ الحق لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدين كُلّهِ وكفى بالله شَهِيدًا} [الفتح: 28] يقول: أشهد لك على نفسه أنه سيظهر دينك على الأديان ثم قال سبحانه له عليه الصلاة والسلام في أمته: {وَمَا كَانَ الله لِيُعَذّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ الله مُعَذّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} [الأنفال: 33] فأخبره الله تعالى بما صنع به وما يصنع بأمته، وعن الكلبي أنه صلى الله عليه وسلم قال له أصحابه وقد ضجروا من أذى المشركين: حتى متى نكون على هذا؟ فقال: وما أدري ما يفعل بي ولا بكم أأترك كة أم أومر بالخروج إلى أرض قد رفعت لي ورأيتها يعني في منامه ذات نخل وشجر.
وحكى في البحر عن مالك بن أنس. وقتادة. وعكرمة. والحسن أيضًا. وابن عباس أن المعنى ما يفعل بي ولا بكم في الآخرة، وأخرج أبو داود في ناسخه من طريق عكرمة عن ابن عباس أنه قال في الآية: نسختها الآية التي في الفتح يعني {لّيَغْفِرَ لَكَ الله مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ} [الفتح: 2] فخرج صلى الله عليه وسلم إلى الناس فبشرهم بأنه غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر فقال رجل من المؤمنين: هنيئًا لك يا نبي الله قد علمنا الآن ما يفعل بك فماذا يفعل بنا؟ فأنزل الله تعالى في سورة الأحزاب (47) {وَبَشّرِ المؤمنين بِأَنَّ لَهُمْ مّنَ الله فَضْلًا كِبِيرًا} وقال سبحانه: {لّيُدْخِلَ المؤمنين والمؤمنات جنات تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الانهار خالدين فِيهَا وَيُكَفّرَ عَنْهُمْ سيئاتهم} [الفتح: 5] فبين الله تعالى ما يفعل به وبهم. واستشكل على تقدير صحته بأن النسخ لا يجري في الخبر فلعل المنسوخ الأمر بقوله تعالى: {قُلْ} إن قلنا: إنه هنا للتكرار أو المراد بالنسخ مطلق التغيير.
وقال أبو حيان: هذا القول ليس بظاهر بل قد أعلم الله تعالى نبيه عليه الصلاة والسلام من أول الرسالة بحاله وحال المؤمن وحال الكافر في الآخرة، وقال الإمام: أكثر المحققين استبعدوا هذا القول واحتجوا بأن النبي لابد أن يعلم من نفسه كونه نبيًا ومتى علم ذلك علم أنه لا يصدر عنه الكبائر وأنه مغفور وإذا كان كذلك امتنع كونه شاكًا في أنه هل هو مغفور له أم لا، وبأنه لا شك أن الأنبياء أرفع حالًا من الأولياء، وقد قال الله تعالى فيهم: {أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء الله لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} [يونس: 62] فكيف يعتقد بقاء الرسول وهو رئيس الأنبياء وقدوة الأولياء شاكًا في أنه هل هو من المغفورين أم لا، وقد يقال: المراد أيضًا أنه عليه الصلاة والسلام ما يدري ذلك على التفصيل، وما ذكر لا يتعين فيه حصول العلم التفصيلي لجواز أن يكون عليه الصلاة والسلام قد أعلم بذلك في مبدأ الأمر إجمالًا بل في إعلامه صلى الله عليه وسلم بعد بحال كل شخص شخص على سبيل التفصيل بأن يكون قد أعلم عليه الصلاة والسلام بأحوال زيد مثلًا في الآخرة على التفصيل وبأحوال عمرو وكذلك وهكذا توقف.
وفي صحيح البخاري وأخرجه الإمام أحمد. والنسائي. وابن مردويه عن أم العلاء، وكانت بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم أنها قالت لما مات عثمان بن مظعون: رحمة الله تعالى عليك يا أبا السائب شهادتي عليك لقد أكرمك الله تعالى فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وما يدريك أن الله تعالى أكرمه؟ أما هو فقد جاءه اليقين من ربه وإني لأرجو له الخير والله ما أدري وأنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يفعل بي ولا بكم. قالت أم العلاء: فوالله ما أزكي بعده أحدًا» وفي رواية ابن حبان والطبراني عن زيد بن ثابت:«أنها قالت لما قبض: طب أبا السائب نفسك إنك في الجنة فقال النبي صلى الله عليه وسلم: وما يدريك؟ قالت: يا رسول الله عثمان بن مظعون قال: أجل وما رأينا إلا خيرًا والله ما أدري ما يصنع بي» وفي رواية الطبراني. وابن مردويه عن ابن عباس: «أنه لما مات قالت امرأته أو امرأة: هنيئًا لك ابن مظعون الجنة فنظر إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم نظر مغضب وقال: وما يدريك؟ والله إني لرسول الله وما أدري ما يفعل الله بي فقالت: يا رسول الله صاحبك وفارسك وأنت أعلم فقال: أرجو له رحمة ربه تعالى وأخاف عليه ذنبه» لكن في هذه الرواية أن ابن عباس قال: وذلك قبل أن ينزل: {لّيَغْفِرَ لَكَ الله مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ} [الفتح: 2] وعن الضحاك المراد لا أدري ما أومر به ولا ما تؤمرون به في باب التكاليف والشرائع والجهاد ولا في الابتلاء والامتحان، والذي اختاره أن المعنى على نفي الدراية من غير جهة الوحي سواء كانت الدراية تفصيلية أو إجمالية وسواء كان ذلك في الأمور الدنيوية أو الأخروية وأعتقد أنه صلى الله عليه وسلم لم ينتقل من الدنيا حتى أوتي من العلم بالله تعالى وصفاته وشؤنه والعلم بأشياء يعد العلم بها كمالًا ما لم يؤته أحد غيره من العالمين، ولا أعتقد فوات كمال بعدم العلم بحوادث دنيوية جزئية كعدم العلم بما يصنع زيد مثلًا في بيته وما يجري عليه في يومه أو غده، ولا أرى حسنًا قول القائل: إنه عليه الصلاة والسلام يعلم الغيب واستحسن أن يقال بدله: إنه صلى الله عليه وسلم أطلعه الله تعالى على الغيب أو علمه سبحانه إياه أو نحو ذلك، وفي الآية رد على من ينسب لبعض الأولياء علم كل شيء من الكليات والجزئيات، وقد سمعت خطيبًا على منبر المسجد الجامع المنسوب للشيخ عبد القادر الكيلاني قدس سره يوم الجمة قال بأعلى صوت: يا باز أنت أعلم بي من نفسي، وقال لي بعض: إني لأعتقد أن الشيخ قدس سرهع يعلم كل شيء مني حتى منابت شعري، ومثل ذلك مما لا ينبغي أن ينسب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فكيف ينسب إلى من سواه؟ فليتق العبد مولاه، وفيما تقدم من الأخبار في شأن عثمان بن مظعون رد أيضًا على من يقول فيمن دونه في الفضل أو من لم يبشره الصادق بالجنة والكرامة نحو ما قيل فيه.
نعم ينبغي الظن الحسن في المؤمنين أحياء وأمواتًا ورجاء الخير لكل منهم فالله تعالى أرحم الراحمين، هذا والظاهر أن {مَا} استفهامية مرفوعة المحل بالابتداء والجملة بعدها خبر وجملة المبتدأ والخبر معلق عنها الفعل القلبي وهو إما متعد لواحد أو اثنين، وجوز أن تكون {مَا} موصولة في محل نصب على المفعولية لفعل الدراية وهو حينئذ متعد لواحد والجملة بعدها صلة، وأن تكون حرفًا مصدريًا فالمصدر مفعول {أَدْرِى} والاستفهامية أقضي لحق مقام التبري عن الدراية، و{لا} لتذكير النفي المنسحب على {مَّا يَفْعَلُ} إلخ وتأكيده، ولولا اعتبار الانسحاب لكان التركيب ما يفعل بي وبكم دون {لا} لأنه ليس محلًا للنفي ولا لزيادة لا ونظير ذلك زيادة {مِنْ} في قوله تعالى: {مَّا يَوَدُّ الذين كَفَرُواْ أَنَّ *يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مّنْ خَيْرٍ} [البقرة: 105] لانسحاب النفي فإنه إذا انتفت ودادة التنزيل انتفى التنزيل، وزيادة الباء في قوله سبحانه: {أَوَ لَمْ يَرَوْاْ أَنَّ الله الذي خَلَقَ السموات والأرض وَلَمْ يَعْىَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ} [الأحقاف: 33] لانسحاب النفي، على أن مع ما في حيزها ولولاه ما زيدت الباء في الخبر، وقيل: الأصل ولا ما يفعل بكم فاختصر، وقيل: ولا بكم، وقرأ زيد بن علي وابن أبي عبلة {يَفْعَلُ} بالبناء للفاعل وهو ضمير الله عز وجل: {إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يوحى إِلَىَّ} أي ما أفعل إلا اتباع ما يوحى إلي على معنى قصر أفعاله صلى الله عليه وسلم على اتباع الوحي، والمراد بالفعل ما يشمل القول وغيره. وهذا جواب عن اقتراحهم الاخبار عما لو يوح إليه عليه الصلاة والسلام من الغيوب، والخطاب السابق للمشركين.
وقيل: عن استعجال المسلمين أن يتخلصوا عن أذية المشركين والخطاب السابق لهم، والأول أوفق لقوله تعالى: {وَمَا أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ} أنذركم عقاب الله تعالى حسا يوحى إلى {مُّبِينٌ} بين الإنذار بالمعجزات الباهرة، والحصر إضافي. وقرأ ابن عمير {يُوحَى} على البناء للفاعل.